Informations du cours
التعريف بموضوع تاريخ
تونس في العهد الحسيني (1705-1881م)
يُعد العهد الحسيني (1705-1881م) حقبة مفصلية في تاريخ تونس الحديث، حيث يمثل مساراً متعرجاً بدأ بمحاولات بناء دولة مستقلة ومستقرة، مروراً بمرحلة من الإصلاحات والتحديث، وانتهى بالانهيار والسقوط تحت طائلة الاستعمار.
انطلقت هذه المرحلة التاريخية سنة 1705م إثر الفوضى العارمة والاضطرابات التي أعقبت انهيار حكم البايات المراديين، مما دفع أعيان تونس وعلماءها وقادتها العسكريين إلى مبايعة الآغا حسين بن علي تركي لإنقاذ البلاد. تمكن حسين بن علي من طرد الغزاة، وتثبيت الأمن، وتأسيس سلالة حاكمة استقلت فعلياً بإدارة شؤون الإيالة التونسية مع الحفاظ على الولاء الروحي والتبعية الاسمية للدولة العثمانية. غير أن مساعيه لحصر الحكم في أبنائه وإقصاء ابن أخيه أشعلت حرباً أهلية طاحنة عُرفت بـ "الفتنة الباشية الحسينية" (1728-1756م)، والتي قسمت المجتمع التونسي وتخللتها تدخلات عسكرية متكررة من إيالة الجزائر، قبل أن يعود الاستقرار مجدداً لأبناء حسين بن علي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
ومع حلول القرن التاسع عشر وتنامي الأطماع الأوروبية — خاصة بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830م — دخلت تونس في سباق مع الزمن لتحديث أجهزتها وحماية كيانها عبر سلسلة من الإصلاحات الكبرى؛ فبرزت جهود أحمد باي في تأسيس جيش نظامي وبناء مدرسة حربية وإلغاء الرق، وتلاه إصدار "عهد الأمان" سنة 1857م الذي أقر المساواة بين جميع السكان، ثم الإعلان عن أول دستور في العالم العربي سنة 1861م لتنظيم السلطات، إلى جانب المحاولات الجادة التي قادها الوزير خير الدين باشا التونسي لإصلاح الإدارة والتعليم والاقتصاد.
ورغم النوايا الطموحة لهذه المشاريع، إلا أنها كانت باهظة التكلفة واعتمدت بشكل كبير على الاستدانة من البنوك الأوروبية بفوائد مجحفة. ولتسديد هذه الديون، لجأت السلطة إلى فرض ضرائب قاسية على الأهالي، أبرزها مضاعفة ضريبة "المجبة"، مما أدى إلى اندلاع ثورة شعبية كبرى بقيادة علي بن غذاهم سنة 1864م. أدى قمع هذه الثورة والفساد الإداري وتراكم الديون إلى إعلان إفلاس الدولة التونسية وتشكيل "الكومسيون المالي" (اللجنة المالية الدولية) سنة 1869م، والذي وضع الخزينة التونسية تحت رقابة أجنبية مباشرة. شكل هذا الانهيار الاقتصادي ذريعة للقوى الاستعمارية للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وهو ما تُوج باستغلال فرنسا لمناوشات حدودية مع قبائل الخمير كحجة لاجتياح الأراضي التونسية ومحاصرة قصر الباي، مجبرة إياه على توقيع "معاهدة باردو" في 12 ماي 1881م، لتنتهي بذلك حقبة الاستقلال الفعلي للدولة الحسينية وتسقط تونس تحت نير الحماية الفرنسية.
- Enseignant: rahima bichi